السيد كمال الحيدري
421
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
وما دامت الجملة في الآية التي يدور من حولها البحث : « إنّى جاعل » جملة اسمية على صيغة فاعل ، فهي إذن تفيد التأكيد وتدلّ على الاستمرار . معنى ذلك أنّ هذا الجعل الخلافى الربّانى ليس أمراً آنيّاً مؤقّتاً يتعلّق بمقطع من الزمان ويقتصر على بقعة خاصّة في المكان ، بل جعل الله ( جلّ وعلا ) هذه الخلافة دائمة مستمرّة في الزمان والمكان . هناك قرينة أخرى تفيد النتيجة ذاتها ترتبط بمنطوق النصّ ومعناه ، وما فيه من دلالة في الكشف عن سنّة من سُنن نظام التكوين وقواعده ، وأنّ ما حصل من سجود الملائكة لهذا الخليفة بأمر ربّها لم يكن حالة عابرة حصلت ثمّ انتهت ، بل ما تزال الملائكة ساجدة لهذا الموجود الأرضي ، بمعنى أنّها خاضعة له ومنقادة إليه ومطيعة له بأمر الله سبحانه . تنطلق هذه القرينة من معنى الجعل وما يكتنزه من وجوه ، على ما يذكره الراغب الإصفهانى من أنّ الفعل « جَعل » ينصرف على خمسة أوجه : الأوّل لا يتعدّى وحكمه حكم صار وطفق ، والثاني يجرى مجرى أوجَدَ فيتعدّى إلى مفعول واحد ، كقوله سبحانه : وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ « 1 » ، والوجه الثالث في إيجاد شئ من شئ وتكوينه منه ، نحو قوله : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً « 2 » ، والرابع من الوجوه : في تصيير الشئ على حالة دون حالة ، كما في قوله سبحانه : الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً « 3 » وقوله : جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا « 4 » وقوله : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً « 5 » وهكذا يمضى إلى الوجه الخامس « 6 » . ما يسجّله البحث التفسيري أنّ « جعل » في قوله سبحانه : إِنِّى جَاعِلُ
--> ( 1 ) الأنعام : 1 . ( 2 ) النحل : 72 . ( 3 ) البقرة : 22 . ( 4 ) النحل : 81 . ( 5 ) الزخرف : 3 . ( 6 ) المفردات في غريب القرآن ، مادّة جعل ، ص 94 .